محمد الغزالي

97

فقه السيرة ( الغزالي )

[ محمد صلى اللّه عليه وسلم يحمل أعباء الدعوة إلى اللّه ] تقلّصت ظلال الحيرة ، وثبتت أعلام الحقيقة ، وعرف محمد عليه الصلاة والسلام معرفة اليقين أنّه أضحى نبيّا للّه الكبير المتعال ، وأنّ ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء . . إلا أنّ الروعة التي انتابته من هذه الصلة بين إنسان وملك ، تركت في نفسه أثرا من الجهد ، كأنّما كان يعالج عملا مرهقا صعبا . ولا عجب ! فقد ظلّ يعاني من التنزيل شدّة أمدا طويلا ، وشاء اللّه أن يفتر الوحي بعد ابتدائه على النحو الذي أسلفنا ، حتى يكون تشوّف الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وارتقابه لمجيئه ؛ سببا في ثباته واحتماله عندما يعود ، ومع ذلك فإنّ الطاقة البشرية ناءت أمام وطأته . جاء جبريل عليه السّلام للمرة الثانية ، قال جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي ، فقال لي في حديثه : « فبينا أنا أمشي ، سمعت صوتا من السماء ، فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسيّ بين السماء والأرض ، ففزعت منه حتى هويت على الأرض ، فجئت إلى أهلي ، فقلت : زمّلوني ، زمّلوني ، فدثّروني . . . » . فأنزل اللّه عز وجلّ : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) [ المدثر ] « 1 » . كانت هذه الأوامر المتتابعة القاطعة إيذانا للرسول صلى اللّه عليه وسلم بأنّ الماضي قد انتهى بمنامه وهدوئه وسلامه ، وأنّه أمام عمل جديد يستدعي اليقظة والتشمير ، والإنذار والإعذار ، فليحمل الرسالة ، وليوجه الناس ، وليأنس بالوحي ، وليقو على عنائه ، فإنه مصدر رسالته ومدد دعوته . والوحي إلهام ينضح على القلب بمراد اللّه في صورة واضحة لا تحتمل الريبة ، وله مراتب شتّى بعضها أيسر من بعض ؛ فعن عمر رضي اللّه عنه : « كان

--> ( 1 ) أخرجه البخاري : 8 / 549 - 551 ؛ ومسلم : 1 / 98 .